الحلبي
34
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لم يبعث بشريعة مستقلة ، بل كان مقررا لشريعة عيسى عليه الصلاة والسلام أيضا كخالد بن سنان . والرس : البئر الغير المطوية : أي الغير المبنية ، كذا في الكشاف ، والذي في القاموس كالصحاح المطوية بإسقاط غير ، فإنهم قتلوا حنظلة ودسوه فيها : أي وحين دسوه فيها ، غار ماؤها ، وعطشوا بعد ريهم ، ويبست أشجارهم ، وانقطعت ثمارهم بعد أن كان ماؤها يرويهم ويكفي أرضهم جميعا ، وتبدلوا بعد الأنس الوحشة ، وبعد الاجتماع الفرقة لأنهم كانوا ممن يعبد الأصنام : أي وكان ابتلاهم اللّه تعالى بطير عظيم ذي عنق طويل كان فيه من كل لون ، فكان ينقضّ على صبيانهم يخطفهم إذا أعوزه الصيد ، وكان إذا خطف أحدا منهم أغرب به : أي ذهب به إلى جهة المغرب ، فقيل له لطول عنقه ولذهابه إلى جهة المغرب عنقاء مغرب ، فشكوا ذلك إلى حنظلة عليه الصلاة والسلام ، فدعا على تلك العنقاء ، فأرسل اللّه تعالى عليها صاعقة فأهلكتها ولم تعقب ، وكان جزاؤه منهم أن قتلوه وفعلوا به ما تقدم . وذكر بعضهم أن حنظلة هذا كان من العرب من ولد إسماعيل أيضا عليه الصلاة والسلام : ثم رأيت ابن كثير ذكر أن حنظلة هذا كان قبل موسى عليه الصلاة والسلام ، وأنه لما ذكر أن في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه فتحت تستر المدينة المعروفة وجدوا تابوتا ، وفي لفظ : سريرا عليه دانيال عليه الصلاة والسلام ، ووجدوا طول أنفه شبرا ، وقيل ذراعا ، ووجدوا عند رأسه مصحفا فيه ما يحدث إلى يوم القيامة ، وأن من وفاته إلى ذلك اليوم ثلاثمائة سنة ، وقال : إن كان تاريخ وفاته القدر المذكور فليس بنبي بل هو رجل صالح ، لأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ليس بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نبي بنص الحديث في البخاري . أقول : قد علمت الجواب عن ذلك ، بأن المراد بالنبي الرسول . وفيه أن هذا يبعده عطف الرسول على النبي المتقدم في بعض الروايات ، إلا أن يجعل من عطف التفسير واللّه أعلم . والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة ، وقيل ستمائة ، وقيل بزيادة عشرين سنة . قالت عائشة رضي اللّه عنها : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تخرصا أي كذبا لأن الخراص الكذاب كذا قيل . أقول : لعل المراد بالكذب الغير المقطوع بصحته ، لأن الخرص حقيقته الحزر والتخمين ، وكل من تكلم كلاما بناه على ذلك قيل له خراص ، ثم قيل للكذاب خراص توسعا ، وحينئذ كان القياس أن يقال إلا خرصا : أي حزرا وتخمينا . وعلى هذا كأن الصدّيقة رضي اللّه تعالى عنها أرادت المبالغة للتنفير عن الخوض في ذلك . واللّه أعلم .